محمد حسين هيكل

96

حياة محمد ( ص )

الفصل الخامس من البعث إلى إسلام عمر حديث خديجة وورقة بن نوفل - فتور الوحي - إسلام أبي بكر - المسلمون الأولون - دعوة محمد أهله للإسلام - إغراء قريش شعراءها بمحمد - ذكر محمد آلهة قريش بالسوء - سفارة قريش إلى أبي طالب - موقف محمد من عمه - تعذيب قريش المسلمين - هجرة المسلمين للحبشة - إسلام عمر . نام محمد وحدقت فيه خديجة وقد امتلأ قلبها إشفاقا وأملا لهذا الذي سمعت منه . فلمّا رأته استغرق في نوم مطمئن هادئ ، تركته وخرجت تقلّب في نفسها هذا الذي هز قلبها وأثار هواجسها ، وتفكّر في الغد ترجوه خيرا ، وترجو أن يكون زوجها نبيّ هذه الأمة العربيّة التي غرقت في الضلال ؛ يهديها دين الحقّ ويدلها على الصراط المستقيم . ولكنها ، مع ذلك كانت تخشى هذا الغد أشد الخشية على هذا الزوج البار الوفي الحميم . وطفقت تعرض أمام بصيرتها ما قص عليها ، وتتخيل الملك الجميل الذي تعرض له في السماء بعد أن أوحى إليه كلمات ربه ، والذي ملأ عليه الوجود كله حينما كان يراه أينما صرف وجهه ، وتستعيد الكلمات التي تلا محمد بعد أن نقشت في صدره . جعلت تعرض ذلك كله أمام بصيرتها فتفتر شفتاها طورا عن ابتسامة الأمل ، وتنكمش أساريرها طورا آخر خيفة ما قد يكون أصاب الأمين . ولم تطق البقاء في وحدتها طويلا ، تنتقل من الأمل الحلو الباسم إلى الريبة والإشفاق المخوف ، ففكرت بأن تفضي بما في نفسها إلى من تعرف فيه الحكمة ومحض النصيحة . حديث ورقة لخديجة لذلك انطلقت إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ؛ وكان كما قدّمنا ، قد تنصّر وعرف الإنجيل ونقل بعضه إلى العربية . فلمّا أخبرته بما رأى محمد وسمع ، وقصت عليه كل ما حدثها به ، وذكرت له إشفاقها وأملها ، أطرق مليّا ثم قال . قدّوس قدّوس ، والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، وإنه لنبي هذه الأمة ، فقولي له فليثبت » . وعادت خديجة فألفت محمدا ما يزال نائما ، فحدقت فيه وكلها الحب والإخلاص ، وكلها الإشفاق والأمل . وفيما هو في هدأة نومه إذا به اهتز وثقل تنفسه وبلل العرق جبينه يقوم ليستمع إلى الملك يوحي إليه : ( يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ . وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) « 1 » .

--> ( 1 ) سورة المدثر الآيات من 1 إلى 7 .